الشيخ محمد هادي معرفة
436
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مِنَ الْكُفَّارِ » « 1 » . فكأنّه قال : أُمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفّار ، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك ، لما فيه من الإبهام والإلباس » « 2 » . يعني : أنّ ما يذكرونه بهذا الشأن لا يعنون به التفسير ولا تأويل الآية بذلك ، وإنّما الشيء يُذكر بالشيء من باب « تداعي المعاني » فيخطر ببالهم خواطر هي نفحات قدسيّة ملكوتيّة عند تلاوة الآي أو استماعها عن وعي وحضور قلب . فهم عندما يستمعون إلى نداء الآية العامّ يراجعون أنفسهم ، وفي طيّهم كافرٌ عاتٍ هو أقرب إليهم وأخطر من الكفّار البعداء ، فيجب مقاتلته قبل مقاتلة سائر الكفّار ، أخذا بقياس الأولويّة في منطق العقل الرشيد . وهذا معنى قول سهل : « النفس كافرة فقاتلها بالمخالفة لهواها ، واحملها على طاعة اللّه والمجاهدة في سبيله وأكلّ الحلال وقول الصدق وما قد أُمرت به من مخالفة الطبيعة » « 3 » . فهذا المعنى العرفانيّ الرقيق مستفاد من فحوى الآية ومستنبط من بطنها بالمناسبة من غير أن يكون ذا صبغة تفسيريّة أو بيانا للمراد من الآية بالذات . وقد صرّح بذلك الإمام القشيريّ في تفسيره للبسملة ، قال : « وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكّرون من الباء برّه بأوليائه ، ومن السين سرّه بأصفيائه ، ومن الميم منّته على أهل ولايته . فيعلمون أنّهم ببرّه عرفوا سرّه ، وبمنّته عليهم حفظوا أمره ، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره » ، إلى آخر ما ذكره بهذا الصدد « 4 » تراه لم يجعله تفسيرا للآية ، وإنّما هو تذكّر قلبيّ عند استماعها أو استماع حروفها من قبيل الخواطر القلبيّة محضا ، من غير أن يكون تحميلًا على القرآن أو تفسيرا بالرأي . هذا بشأن أهل الاعتدال منهم ، وأمّا أرباب الشطط منهم فلنا معهم مقال آخر في مجال يأتي .
--> ( 1 ) - . التوبة 123 : 9 . ( 2 ) - . فتاوى ابن الصلاح ، ص 29 التفسير والمفسّرون ، ج 2 ، ص 368 . ( 3 ) - . راجع : تفسير السلميّ ، ج 1 ، ص 292 . ( 4 ) - . تفسير القشيريّ ، ج 1 ، ص 56 .